حسن حنفي

524

من العقيدة إلى الثورة

بالشهوات لا يصدر منها الا الجهل والموت والثاني طاهر متعفف زاهد لا تصدر منه الا الحكمة والخلود . ويخضع ترتيب قوى النفس وحالاتها وطباعها إلى هذه النظرة التطهرية التي تستنكف من العالم وتهرب منه باحثة عن شيء آخر خارج العالم فتطير منه فارغة من غير مضمون ، وتتركه وراءها . ولما كانت النفس أيضا مشدودة إلى العالم من خلال البدن فسرعان ما يتكالب الجسد عليه ، وبالتالي يكون الانسان متطهرا من جانب النفس متكالبا على العالم من جانب البدن ، ويصبح مقسما بين السماء والأرض ، مشدودا بين الله والعالم فتضيع وحدته . لذلك غلبت الاشراقيات والنظريات الصوفية على علوم الحكمة وبالتالي على علم أصول الدين . ولم يسلم ذلك من دخول بعض جوانب السحر والطلسمات ما دامت الروح المتجردة أو النفس القادرة قد وصلت إلى كمالاتها النظرية والعملية وتجردت عن علائقها في البدن وعن صلتها بالعالم . وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخرة بعد أن توقف تطور علم التوحيد وتسربت الفلسفة إليه بعد استبعادها منذ القرن الخامس ، وعادت إلى علم التوحيد الّذي لا يشك فيه أحد من وراء ستار . بل تحولت مسألة النفوس الناطقة في العقائد المتأخرة إلى مسألة مستقلة معتمدة على الاستعارة من التحليلات الفلسفية . وينضم المعاد النفساني إلى المعاد الروحاني ، ويظهر خلود النفس مع حشر الأجساد « 239 » . وما أسهل بعد ذلك من تأويل الحجج النقلية بحيث تتفق مع هذه الحجة الاشراقية . ويتجاوز الامر من مجرد حجة لاثبات بقاء النفس بعد فناء البدن إلى اثبات للثواب والعقاب في هذه المفارقة ذاتها ، فنعم النفوس الطاهرة في معرفتها وشقاؤها في جهلها دون ما

--> ( 239 ) تبدو سيادة التصوف من عبارات مثل « محبة الله لذاته أكمل أنواع المحبة » ، المعالم ص 25 - 126 ، كما توجد محاولات لتأويل النقل الوارد بلسان الشرائع من اللذات والآلام الجسمانية على أنه تقريب للأفهام وكلام مع الناس على قدر عقلهم والظواهر لا تكون حجة للخواص ، المرجاني ج 2 ص 263 .